ابن الجوزي
325
كتاب ذم الهوى
وأرباب الطلب للملذوذ لا يرون إلا صورة بلوغ الغرض ، وهم عمون بحجاب الهوى ، الذي قدّمنا ذمّه ، عن فهم ما قلنا ، غافلون عما تنطوي عليه اللذة من المخاطرة بالنفوس وانكسار الجاه وحصول الإثم ، وغير ذلك ، فلو قد كشف فجر التيقظ سجاف ليل الهوى ، فرأوا بأعين البصائر ما يحتوي عليه الهوى من الآفات ، لهان عليهم غرضهم . قال سقراط : اللذة مشناق من عسل . وقال غيره : اللذة مشوبة بالقبح ، فتفكّروا في انقطاع اللذة ، وبقاء ذكر القبح . وقال آخر : عار الفضيحة كدّر لذّتها . فصل : وإذا ثبت عيب اللذات عند العقول النيّرة ، بما أشرنا إليه ، فهذا العيب لازم في باب العشق ، بل هو به أجدر ، فإنّ إعمال البصر في تكرار النظر حقن في نفس العاشق طلب الالتذاذ ، فكلما نال لذة بنظرة دفع بعض الأذى الذي جلبه لنفسه ، إلا أنه يجتلب بتلك النظرة من الشرّ أضعاف ما دفع ، من جهة أنّ تكرار النظر يقوّي القلق إلى الحبيب ، ولا شفاء لذلك إلا أن ينتهي إلى غايته المطلوب من المتعة الدائمة التي تمتد إلى بداية الملل ، وبعض ذلك قد يوجب خزي الدنيا والآخرة . فصل : واعلم أنّ العشّاق قد جاوزوا حدّ البهائم في عدم ملكة النفس في الانقياد إلى الشهوات ، لأنهم لم يرضوا أن يصيبوا شهوة الوطء ، وهي أقبح الشهوات عند النفس الناطقة ، من أيّ موضع كان ، حتى أرادوها من شخص بعينه ، فضموا شهوة إلى شهوة ، وذلّوا للهوى ذلا على ذلّ ، والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها